كتابات : الحصول على الدكتوراه مرتبط بالدفع لمجلة خارجية بقلم أ.د/ عبدالخالق هادي طوافأستاذ إدارة الأعمالجامعة عمران أستنكر بشدة إلزام طلاب الدكتوراه بالنشر الدولي، ثم تركهم وحدهم في مواجهة مجلات وناشرين ووسطاء يطالبونهم بمئات أو آلاف الدولارات في ظل ظروف اقتصادية قاسية أصبح فيها المواطن اليمني مشغولا بتوفير أبسط متطلبات الحياة. إن مطالبة الباحث اليمني بهذه المبالغ تعني استنزاف المزيد من العملة الصعبة وإخراجها من وطن يعاني شح الموارد بدلا من استثمارها في تدريب الباحثين وتطوير معامل الجامعات ومكتباتها وتمويل المجلات الوطنية وإنشاء مراكز للتحليل والبحث والنشر العلمي. لكن الأكثر خطورة من التكلفة المالية هو استبدال نشر بحثين بدراسة مقررات الدكتوراه. لقد أصبحت هذه البرامج التي تتسابق الجامعات على افتتاحها تتعامل مع نشر بحثين كأنه بديل عن تدريس الطالب مقررات متقدمة في التخصص ومناهج البحث والتحليل الإحصائي والبحث النوعي والكتابة الأكاديمية والتفكير النقدي وأخلاقيات البحث والنشر. وهذا ليس افتراضا فقد اصبحت الموضة عندنا في برامج الدكتوراه هذه الايام اعلان ان البرنامج مكون من 42 ساعة معتمدة منها 30 ساعة للأطروحة و12 ساعة لنشر بحثين من دون مقررات دراسية. وهنا نسأل:كيف نطالب الطالب بإنتاج بحث علمي دولي قبل أن نعلمه كيف يفكر كباحث؟ وكيف نطالبه بالنشر قبل أن نعلمه تصميم البحث وبناء النموذج وصياغة الفرضيات واختيار العينة وتطوير أدوات القياس وتحليل البيانات ومناقشة النتائج والالتزام بأخلاقيات البحث؟ وكيف نقبل خريجين من تخصصات مختلفة في دكتوراه إدارة الأعمال ثم لا نلزمهم بدراسة مقررات تجسيرية في نظريات الإدارة والاستراتيجية والتسويق والموارد البشرية والتمويل والسلوك التنظيمي؟ البحثان المنشوران لا يمكن أن يعادلا برنامجا دراسيا متكاملا. فالنشر ثمرة للتكوين العلمي وليس بديلا عنه. ولا يصح أن تقول الجامعة للطالب: لن نعلمك كيف تبحث وتنشر لكننا سنمنعك من التخرج إذا لم تنشر. قد يكون نظام اجبار الطالب بالنشر في مجلات خارجية – تستنزفه اموالا اسرته اكثر احتياجا لها – مفيد للجامعات اليمنية التي يرتفع تصنيفها في مقاييس غربية قد لا تكون منطقيةلماذا لا نعيد تقييم الجامعات بحسب الأثر المجتمعي وحل مشكلات المجتمع والبلد والمؤسسات بدلا من التصنيف الأمريكي والبريطاني المبني على معايير لا ترتبط بالواقع وانما بالنشر في مجلات مفهرسة في السكوبس وWoS. أسهم هذا الأسلوب – في حالات كثيرة – في إنتاج خريجين يحملون درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال، لكنهم لا يمتلكون القدرة الكافية على تدريس مقررات التخصص أو تصميم بحث أصيل أو ممارسة التفكير العلمي النقدي أو المشاركة الجادة في النقاشات والندوات العلمية. وهنا تتحول الدكتوراه من رحلة لبناء عالم وباحث إلى مجرد لقب اجتماعي محدود الأثر. وليست المشكلة في الأشخاص وحدهم، بل في نظام سمح بالحصول على الدرجة دون توفير متطلبات التكوين الحقيقي. أتفهم أن كثيرا من الدارسين مشغولون بالبحث عن لقمة العيش. وهذه نتيجة طبيعية للظروف التي يعيشها الوطن. لكن الحل ليس تفريغ درجة الدكتوراه من مضمونها، بل تصميم برامج مرنة وجادة ودعم الطالب وتوفير وقت منظم للتعلم والبحث وإلزامه بالحضور والمشاركة في المحاضرات والورش والسيمنارات والتكليفات ودراسات الحالة. تخيل – مع الفارق – أن يمنحك شخص شهادة بأنك أديت الحج، مع أنك لم تحرم ولم تطف ولم تسع ولم تقف بعرفة. ستستنكر ذلك بالتأكيد لأن الاسم قد انفصل عن الرحلة والممارسة. وهذا ما يحدث عندما نمنح درجة الدكتوراه لشخص لم يعش رحلة الدكتوراه الحقيقية ولم يحضر مقرراتها وورشها ونقاشاتها وسيمناراتها ولم يتدرب على تحليل الدراسات ونقدها ولم يكتب أبحاثه بنفسه تحت إشراف علمي جاد. إن اشتراط النشر دون إعداد الطالب يفتح الباب – من حيث لا تقصد الجامعات – لسوق موازية من المكاتب والوسطاء الذين يعرضون كتابة البحث وتحليله وترجمته وتجهيزه وفقا لمتطلبات المجلة. يدفع الطالب المال ويكتب المكتب البحث وتنشر المجلة الورقة وتسجل الجامعة أن الشرط قد تحقق وتصنيفها ارتفع نقاط معدودة لكن ماذا تعلم الطالب؟غالبا لا شيء لم يتعلم كيف يبحث ولم يكتسب مهارة الكتابة ولم يتدرب على التحليل وربما لا يستطيع الدفاع عن البحث المنشور باسمه. والأخطر أن هذه الأبحاث تكتب غالبا من أجل القبول في المجلة لا من أجل حل مشكلة حقيقية في مؤسسة يمنية أو تقديم معرفة تسهم في إصلاح الإدارة والاقتصاد والمجتمع. ولا يعني هذا اتهام جميع الباحثين فهناك باحثون يمنيون مجتهدون يكتبون أبحاثهم بأنفسهم ويتحملون ظروفا قاسية. لكن السياسة الخاطئة تعاقب الباحث الجاد وتمنح غيره طريقا مختصرا عبر المال والوسطاء. ومن هنا أدعو وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي، ومجلس الاعتماد وضمان الجودة ومجالس الجامعات إلى ان يراقبوا الله في سياساتهم وان يتخذوا الخطوات الآتية: مراجعة جميع برامج الدكتوراه التي تمنح الدرجة دون مقررات دراسية. إيقاف إلزام الطالب بالنشر الدولي في البرامج التي لا تقدم له تدريبا كافيا على البحث والكتابة والنشر. إعادة المقررات المتقدمة والتجسيرية إلى برامج الدكتوراه خصوصا للملتحقين من تخصصات مختلفة. إلزام الطلبة بحضور المحاضرات والورش والسيمنارات العلمية وتنفيذ التكليفات وكتابة الأبحاث ودراسات الحالة بأنفسهم. إنشاء مراكز جامعية لتدريب الطلبة على مناهج البحث والتحليل الإحصائي والكتابة الأكاديمية والترجمة العلمية والنشر الدولي. قبول النشر في المجلات المجانية الرصينة التابعة لجامعات وجمعيات علمية يتم اختيارها بعناية والشرط الذي يتم الالتزام به ان تكون مجلات محترمة. إذا أصرت الجامعة على النشر في مجلة دولية مدفوعة فعليها تحمل رسوم النشر أو توفير التمويل والإعفاءات للطالب. مناقشة البحث المنشور مناقشة علمية مستقلة والتأكد من أن الطالب هو من كتبه وجمع بياناته وحللها ويستطيع الدفاع عنه. نحن لسنا ضد النشر الدولي بل ضد تحويله إلى فخ مالي وضد استخدامه بديلا عن التعليم والتكوين العلمي وضد أن تصبح الدكتوراه سلعة يحصل عليها من يستطيع الدفع للناشر أو الوسيط. الصحوة مطلوبة في أقرب وقت. فكل دفعة تتخرج بهذا الخلل تعني مزيدا من التدريس الضعيف والبحوث محدودة الأثر والألقاب التي لا تضيف إلى الوطن معرفة ولا تصلح مؤسسة ولا تعالج مشكلة. المجتمع اليمني لا يحتاج إلى مزيد من الألقاب. إنه يحتاج إلى باحثين حقيقيين يفكرون وينقدون ويعلمون وينتجون معرفة تسهم في إصلاح مؤسساته وبناء مستقبله. شارك هذا الموضوع: منصة يمن أكاديميك المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة معجب بهذه:إعجاب جاري التحميل… مرتبط نُشر بواسطة alrofeed المدير التنفيذي لمنصة يمن أكاديميك عرض كل المقالات حسبalrofeed