كتابات : لم تكن غزّة جزءًا من أرواحهم بل كانت هي روحهم


بقلم م. منصور الصلوي

حينما نتحدث عن الرجال العظماء، فإننا لا نستحضر مجرد أسماء أو مناصب، بل نستحضر تاريخًا حيًّا ينبض بالعزيمة، ومواقفًا خالدة تضيء دروب الأمة. إن رئيس الوزراء الأستاذ أحمد غالب الرهوي ورفاقه من الوزراء الذين ارتقوا شهداءً، لم يكونوا مجرد مسؤولين يمارسون مهامهم الرسمية، بل كانوا ضمير وطن، وصوت قضية، وتجسيدًا عمليًا لمعنى الوفاء.

وليسوا هم فحسب، بل إن الشعب اليمني الحر الأبي قد جعل غزّة والدفاع عنها قضيته الأولى، وكان للسيد عبدالملك بدرالدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ الفضل الأول بعد الله سبحانه وتعالى حين تولّى قضية فلسطين بنفسه، وجعلها قضية اليمن الأولى، وفي كل خطاباته لم ينسَ أن تكون غزّة حاضرة في كلماته. وقد جسّد هذه الكلمات قولًا وفعلًا ومواقف مشرفة، في الوقت الذي تخاذلت فيه دول وقيادات تمتلك من الترسانة العسكرية ما يمكّنها من تحرير القدس والأقصى، إلا أنّ الله لم يشأ أن يشرفها بهذا الشرف، بل أراد أن يكون الفخر والكرامة لرجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

اليوم نودّع كوكبة من الشخصيات السياسية التي لم تكن غزّة بالنسبة لهم شأنًا سياسيًا عابرًا أو قضيةً للتصريحات الموسمية، بل كانت حاضرة في صميم وجدانهم. لم يناصرُوها من باب الواجب فحسب، بل من باب الانتماء الروحي والإنساني. لقد آمنوا أن غزّة هي ميدان اختبار الرجولة الحقيقية، وأن الوقوف معها ليس خيارًا، بل قدرًا يحمله كل من آمن بالحق والعدالة والكرامة.

لقد كان الرهوي ورفاقه يوقنون أن معركة غزّة هي معركة الأمة بأسرها، وأنها ليست جرحًا فلسطينيًا معزولًا، بل جرحًا يمنيًا، عربيًا، وإسلاميًا يمسّ كل ضمير حي. ومن هذا اليقين انطلقوا حاملين الموقف لا ككلمات، بل كروح تنبض بالعزم، حتى أصبحوا عنوانًا للشرف وصدق الانتماء.

استُشهدوا وقد تركوا خلفهم دروسًا لا تُنسى: أن الكرامة لا تتجزأ، وأن غزّة ليست مجرد أرض محاصرة، بل منارة للحرية، وأن الإنسان الذي يخلص لقضيته يحيا أبديًا ولو غاب جسده. كانوا يرون أن نصرة غزّة هي نصرة للقيم التي آمنوا بها، وأنها الامتحان الحقيقي لكل من يرفع شعار العروبة والإسلام.

إن رحيلهم لن يزيد الأمة إلا صلابة، ولن يزيد الأحرار إلا إصرارًا. فالصمود سيبقى ممتدًا جيلًا بعد جيل، والدفاع عن غزّة سيظل ثابتًا لا يتزحزح، لأنها كانت وستبقى روح الأحرار وقضية الحق الأولى.

رحلوا تاركين للأمة إرثًا من الشجاعة والوفاء، وتركوا لنا وصية صامتة تقول: “لا تساوموا على غزّة، فهي ليست قضية الآخرين، بل هي روحكم كما كانت روحنا.” وهكذا، سيظل التاريخ يذكر أن أحمد غالب الرهوي ورفاقه لم يحملوا غزّة كجزء من قلوبهم، بل حملوها كجوهر أرواحهم، فارتقوا شهداءً يشهد لهم الوطن وتذكرهم الأمة ما دامت على هذه الأرض قضايا تنتظر رجالًا صادقين.

ولن يرضخ اليمنيون عن الدفاع وتقديم ما يمكنهم لغزّة، وعن كل المقدسات الإسلامية في مختلف بقاع الأرض.

رحم الله الشهداء، والشفاء للجرحى، والخزي والعار للخونة والعملاء والمعتدين، ولا نامت أعين الجبناء.

اترك رد