كتابات : الهجوم السيبراني الإدراكي: كيف تصنع الحوادث الشنيعة كأدوات لاختراق الأمن القومي؟


بقلم: د. عبد القوي الأحمدي – دكتوراه في ادارة وتطوير تنافسية اقتصاديات المعرفة والتعليم العالي.
….
لم تعد الحروب السيبرانية اليوم مجرد محاولات لاختراق أنظمة المعلومات أو تعطيل شبكات الكهرباء والمصارف. لقد تجاوزت التقنية حدودها التقليدية، لتصل إلى مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة يتمثل في إعادة تشكيل وعي الأفراد وسلوك المجتمعات ” الهندسة الاجتماعية السيبرانية”، ففي عالم مترابط تسكنه الخوارزميات، قد تكفي حادثة جنائية بسيطة – مثل مقتل شخصية عامة – لتتحول إلى أزمة وطنية، تهز ثقة الناس بمؤسسات الدولة، وتفتح الباب واسعًا أمام خصوم خارجيين يتقنون فن التلاعب بالعقول.
هذا المقال يطرح سيناريو تحليليًا افتراضيًا يوضح كيف يمكن أن تُصنع “حادثة شنيعة” من العدم عبر الهجوم السيبراني الإدراكي، وكيف يمكن أن تتورط فيها جميع الأطراف – من الضحية والجناة، إلى الأقارب، والأجهزة الأمنية، والقضاء، وصولًا إلى القيادات السياسية والمجتمع بأسره – دون أن يدرك أحد أنه كان جزءًا من لعبة أكبر، مع التنبيه ان هذا المقال لا يعفي أيا من الجناة من تحمل عقوبات ما كسبت يداه من جنايات تجاه نفسه او الاخر ، وانما لتعزيز قوة وقيمة الوعي والالتزام السيبراني بكل ما يعزز النظام والقانون كركيزة للأمن الانساني الشامل في عصر سيبراني دائم التغير المتعدد المتجدد بفرصه وتهديداته.
1. المسرح الخفي: مرحلة الإعداد
كل هجوم متقن يبدأ بجمع ممنهج للمعلومات. عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل المصادر المفتوحة (OSINT)، تُجمع تفاصيل دقيقة عن كل الأطراف:
_ حياة الضحية الخاصة ونقاط ضعفها.
_ ملفات حساسة للجناة المحتملين.
_ شبكة علاقات العائلة.
_ الثغرات الإجرائية لدى المؤسسات الأمنية والقضائية.
_ الانقسامات السياسية والمجتمعية.
بعدها تُبنى صورة شاملة تسمح بتحديد “أزرار التحكم” في كل طرف، ثم يبدأ التمهيد للرأي العام عبر شائعات وصور نمطية، تجعل الضحية نفسها مثار جدل حتى قبل وقوع أي حادثة.
2. الضحية تحت الضغط
تبدأ الحرب النفسية الرقمية: _ رسائل مزيفة، إشعارات وهمية توحي بأنها مراقَبة، و تسريبات كاذبة لصور وملفات شخصية.
_ ومع الوقت تدخل الضحية في دائرة من التوتر والارتباك، فتبدو تصرفاتها غير طبيعية حتى لأقرب المقربين منها.
_ لاحقًا، تُستخدم هذه العلامات “الدخيلة” كدليل على أنها كانت في حالة اضطراب نفسي أو اجتماعي.
3. الجناة بالوكالة
المتورطون في الجريمة ليسوا دائمًا محترفين. قد يكونون أشخاصًا عاديين وقعوا ضحية ابتزاز رقمي، أو صدقوا رسائل مزيفة منسوبة لمسؤولين كبار، أو تلقوا وعودًا بحماية أو مكاسب مقابل “خدمة صغيرة”. هكذا يُدفع الجناة لارتكاب فعل لا يصب في مصلحتهم، معتقدين أنهم ينفذون مهمة مشروعة أو يتجنبون تهديدًا أكبر.
4. الأقارب كشهود مخدوعين
حتى العائلة تُستغل. رسائل نصية منتحلة تصل من رقم الضحية تحمل كلمات استسلام أو اعتذار، وحسابات مزيفة على فيسبوك أو واتساب تلمّح إلى خلافات أو حالة اكتئاب. وبحسن نية، يردد الأقارب لاحقًا أمام الشرطة والقضاء أن الضحية “كانت تعاني”، فيدعمون بذلك – دون قصد – الرواية التي صاغها المهاجم.
5. الأمن المربك
الأجهزة الأمنية بدورها تُستهدف: كاميرات مراقبة تُخترق وتُحذف منها لقطات أساسية، بلاغات كاذبة تُرسل لتأخير الاستجابة، قنوات اتصال تُعطّل في لحظة حساسة. والنتيجة: شرطة تصل متأخرة، وأدلة ناقصة، واتهامات بالتقصير أو التواطؤ.
6. القضاء في فخ التلاعب
القضاة والنيابات يواجهون معضلة أكبر؛ تقارير رقمية عُدلت، وثائق تحمل شعارات رسمية يصعب كشف زيفها، وقواعد بيانات مخترقة. فتتضارب الأدلة وتختلط الروايات، ويخرج القضاء أمام الرأي العام بصورة مرتبكة، ما يزعزع ثقة المجتمع في العدالة.
7. القيادة تحت الضغط
القادة السياسيون يجدون أنفسهم محاصرين من كل الجهات: تقارير استخباراتية وهمية، تسريبات إعلامية تضع بعضهم موضع الاتهام، وحملات منظمة على وسائل التواصل تطالب بإقالات واستقالات. في خضم هذا الضغط، تتضارب التصريحات الرسمية وتزداد حالة الارتباك، وهو ما يضعف هيبة الدولة داخليًا وخارجيًا.
8. المجتمع في قلب العاصفة
المرحلة الأخيرة والأخطر هي استهداف المجتمع. آلاف الحسابات الوهمية تضخّم الحادثة وتغذي روايات متناقضة: انتحار، جريمة شرف، اغتيال سياسي، أو قضية فساد. ومع تصاعد الخطاب الطائفي والقبلي عبر حملات مدارة رقميًا، ينقسم المجتمع إلى معسكرات متناحرة، لتتحول حادثة فردية إلى أزمة وطنية عميقة.
الخلاصة: الجميع ضحايا
عند نهاية المشهد، تكون الصورة كالتالي:
_ الضحية تصرفت تحت ضغط لم تفهم مصدره.
_ الجناة ارتكبوا ما يضرهم ظنًا أنه خلاصهم.
_ الأقارب أدلوا بشهادات تخدم رواية العدو.
_ الأمن ظهر عاجزًا.
_ القضاء بدا متناقضًا.
_ القيادة ارتبكت.
_ والمجتمع انقسم.
وبذلك يكون الخصم قد حقق غايته: زعزعة الأمن القومي عبر هجوم سيبراني إدراكي، دون أن يترك أثرًا مباشرًا يُدين فاعله وبما يمكنه من تحقيق أهداف سيبرانية استراتيجية اكبر تمس الأمن الانساني والسيادة الوطنية.
وختاما :
تبرز خطورة هذا السيناريو أنه لا يُدار بالأسلحة أو الجيوش، بل بالعقول والخوارزميات. إنه شكل جديد من الحروب الناعمة التي لا تستهدف البنية التحتية فقط، بل تهاجم الإدراك الجمعي وتعيد تشكيل السلوك البشري. والسؤال الملح هنا:
هل بات لزامًا على الدول أن تنشئ مراكز وطنية متخصصة في مكافحة الهندسة الاجتماعية السيبرانية والهجمات السيبرانية الإدراكية، تكون مهمتها كشف وإحباط هذه الحملات قبل أن تتحول إلى أزمات تهدد كيانات دول العالم و المنطقة ومجتمعاتها بأسرها بجميع مؤسساتها وأفرادها؟ وبخاصة ان الصهيونية تستهدف الجميع في قيمهم وقوتهم وقوتهم وارضهم وعرضهم وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم.

اترك رد