جامعة صنعاء : ذاكرة يمنية لا تموت..أحمد جابر عفيف.. مهندس التنوير الذي آمن بالاستثمار في الإنسان أول مدير لجامعة صنعاء وأحد مؤسسيها عام 1970م العفيف يتوَّج بوسام الأرز اللبناني تكريماً لمسيرته التنويرية “يمن بلا قات”.. رؤية العفيف للإصلاح الاجتماعي وتعزيز الإنتاجية من مدرسة في تهامة إلى جامعة صنعاء: حكاية العفيف الذي استثمر في الإنسان حارس الذاكرة اليمنية.. كيف حول أحمد جابر عفيف المعرفة إلى وقفٍ مستدام؟ توفي المناضل والأستاذ أحمد جابر عفيف في 6 فبراير 2010م بصنعاء، عن عمر ناهز الثمانين عامًا، تاركًا إرثًا تربويًا وثقافيًا امتد إلى التعليم الجامعي والبحث العلمي والنشر وتوثيق الحركة الوطنية اليمنية، إلى جانب مشروعات ثقافية أسهمت في حفظ الذاكرة اليمنية.آمن عفيف طوال حياته بأن بناء اليمن الحديث يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وأن التعليم والثقافة والمعرفة ركائز أساسية لأي مشروع وطني.لذلك امتدت مسيرته خلال ثمانية عقود من العمل التربوي إلى الإدارة الحكومية والتعليم الجامعي والبحث العلمي والمبادرات الثقافية، مؤمنًا بأهمية بناء المؤسسات وترسيخ المعرفة.وشكّل رحيله محطة بارزة في تاريخ اليمن المعاصر، إذ ترك أثراً في مؤسسات ومشروعات تربوية وثقافية تجاوزت حدود المناصب التي شغلها، وظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال التي استفادت من تلك المشروعات.من تهامة إلى أروقة القراروُلد أحمد جابر عفيف عام 1928م في مدينة بيت الفقيه بمحافظة الحديدة.تلقى تعليمه الأول فيها، ثم انتقل إلى مدينة الحديدة، وكان ضمن خمسة وثلاثين طالباً من المحافظة اختيروا للدراسة في صنعاء عام 1940م، حيث حصل على الشهادة الثانوية وتتلمذ على أيدي عدد من العلماء والأعلام.بدأ مسيرته التربوية من الميدان؛ فعمل مدرساً في إحدى مدارس تهامة، ثم مديرًا لمدرسة “المراوعة”، قبل أن يتولى إدارة مدارس الحديدة خلال الفترة (1949 -1955م).وانتقل لاحقاً إلى العمل الإداري، فتولى إدارة مستشفى صنعاء عام 1959م، ثم منصب المدير العام لوزارة الصحة عام 1961م.وأتاح له احتكاكه المباشر بالواقع التعليمي والإداري إدراك أوجه القصور في البنية المؤسسية، وهي خبرة انعكست لاحقًا في عمله الحكومي، ولا سيما في تطوير المناهج والمساهمة في تأسيس مؤسسات التعليم والبحث العلمي.مسيرة عطاءمنذ عام 1962م، تولى عفيف عددًا من المناصب الحكومية والدبلوماسية، بينها نائب وزير الصحة، ووزير التربية والتعليم ورئيس أعلى للتعليم العالي، وسفير الجمهورية العربية اليمنية لدى لبنان وسفير غير مقيم لدى سوريا، ورئيس شركة المحروقات اليمنية، إضافة إلى رئاسة مجلس إدارة بنك الإسكان وبنك التضامن الإسلامي، وعضوية مجلس الشعب والمجلس الاستشاري.ولما عُرف بحضوره المتوازن في المحطات الوطنية؛ فقد شارك في لجان إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1973م، وكان المقرر العام لاتفاق الوحدة عام 1990م.كما اختير أميناً عاماً لجنة الحوار السياسي بين الأحزاب (1993–1994م) والتي أفضت إلى توقيع “وثيقة العهد والاتفاق” في الأردن، وكان مقر اجتماعات اللجنة بمؤسسة العفيف.وارتبط اسمه كذلك بمشروعات تنموية واجتماعية، من بينها مشروع المدينة السكنية المرتبط بمؤسسة بنك التسليف للإسكان، وساهم في بناء قاعة اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين بصنعاء، في إطار اهتمامه بقضايا التنمية وتحسين الظروف الاجتماعية. كان أحد مؤسسي أول صرح جامعي اليمن كان التعليم الجامعي محوراً بارزًا في مشروع عفيف الوطني؛ إذ اضطلع بدور أساسي في التخطيط والإشراف على إنشاء جامعة صنعاء عام 1970م، أثناء توليه وزارة التربية والتعليم، لتكون أول جامعة حكومية حديثة في شمال اليمن آنذاك، وتلبي حاجة الدولة إلى الكوادر المؤهلة في مختلف المجالات.لم يكن إطلاق جامعة صنعاء عام 1970م مجرد تشييدٍ لبناءٍ أسمنتي في العاصمة، بل كان تحولاً هيكلياً نقل اليمن الحديث من أنماط التعليم التقليدية إلى فضاء الأكاديمية والبحث العلمي المنظم.وفي قلب هذا التحول التاريخي، يقف الأستاذ الراحل أحمد جابر عفيف (1928–2010م)، الذي جمع بين التخطيط الوزاري للتعليم العالي والإشراف الميداني على تأسيس النواة الأولى للجامعة، ليرسي تجربة تنويرية امتدت عقوداً بين الإدارة العامة، والعمل الدبلوماسي، والتوثيق الموسوعي.كما أشرف على إنشاء مركز الدراسات والبحوث اليمني وتولى رئاسته، ليضطلع بالدراسات الإنسانية والاجتماعية والبحث في التراث اليمني.وفي المجال التربوي، أنشأ الكشافة المدرسية عام 1972م، بهدف ربط المؤسسات التعليمية بالنشاط الميداني وتعزيز الانضباط والعمل الجماعي لدى الشباب.الثقافة والبحث العلميبعد مسيرة طويلة في العمل الحكومي والتربوي، اتجه عفيف بصورة أكبر إلى العمل الثقافي والمعرفي، وأسس مؤسسة العفيف الثقافية (عام 1989م) في صنعاء، التي أصبحت من المنابر الثقافية اليمنية، ونظمت الندوات والمحاضرات والحوارات الفكرية والأدبية، وأسهمت في دعم الأدباء والباحثين والمثقفين.كما قدّم مكتبة مؤسسته الثقافية بكامل محتوياتها وقفًا علمياً لصالح جامعة صنعاء والباحثين والطلاب، في خطوة عكست اهتمامه بإتاحة المعرفة ودعم البحث العلمي.حافظ الذاكرة الوطنيةيُعد مشروع الموسوعة اليمنية، من أبرز إسهامات عفيف المعرفية؛ إذ أشرف على إعدادها وتحريرها وتمويلها ورعايتها من خلال مؤسسة العفيف الثقافية، بمشاركة عدد من الباحثين والعلماء والمختصين.وصدرت الطبعة الثانية من الموسوعة عام 2003م في أربعة مجلدات، بإجمالي 3231 صفحة، وتناولت تاريخ اليمن وجغرافيته وشخصياته وثقافته ومجالات معرفية متعددة.وأوصى عفيف بتخصيص عائداتها لوقفية علمية تُعنى بالبحوث والتأليف، بما يعكس نظرته إلى المعرفة بوصفها مشروعًا وطنيًا مستدامًا.مؤلفاته وإسهاماته الفكريةامتد عطاؤه إلى التأليف والتوثيق والكتابة، ومن أبرز مؤلفاته:o الحركة الوطنية في اليمن، الصادر عن دار الفكر في دمشق عام 1982م.o البيضاني يرد على البيضاني، الصادر عام 1984م.o شاهد على اليمن: أشياء من الذاكرة، الصادر عام 2000م.كما كتب مقالات في موضوعات متعددة، ولا سيما قضية القات، وأسهم في توثيق جوانب من الحركة الوطنية اليمنية والتاريخ الحديث للبلاد.مبادرة لمحاربة القاتكان عفيف من الأصوات التي دعت إلى مواجهة انتشار القات، وربط موقفه من هذه الظاهرة بالإصلاح الاجتماعي وتعزيز الإنتاجية والاهتمام بالعلم والعمل. وأسهم في تأسيس جمعية “يمن بلا قات” في إطار هذا التوجه.التكريم والوفاءحاز عفيف عدداً من التقديرات المحلية والدولية، أبرزها وسام الأرز الوطني اللبناني، برتبة الوشاح الأكبر، عام 1972م، كما اختير شخصية العام الثقافية في اليمن عام 2003م.تكشف سيرة أحمد جابر عفيف عن مسار تجاوز الوظيفة العامة إلى بناء المؤسسات وإنتاج المعرفة. فقد ارتبط اسمه بمرحلة تأسيسية في التعليم الجامعي، ثم انتقل إلى تأسيس مشروع ثقافي ومعرفي امتد أثره إلى الباحثين والمثقفين والطلاب.وفي ذاكرة جامعة صنعاء تحديدًا، تظل تجربته جزءًا من تاريخ نشأة التعليم الجامعي الحديث في اليمن، بينما تمثل مؤسسة العفيف الثقافية والموسوعة اليمنية امتدادًا لمشروعه في تحويل المعرفة من جهد فردي إلى عمل مؤسسي قابل للاستمرار. شارك هذا الموضوع: منصة يمن أكاديميك المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة معجب بهذه:إعجاب جاري التحميل… مرتبط نُشر بواسطة alrofeed المدير التنفيذي لمنصة يمن أكاديميك عرض كل المقالات حسبalrofeed