جامعة البيضاء ومسيرة المؤتمرات العلمية: من استشراف المستقبل إلى تجديد التعليم الجامعي

منذ انطلاق المؤتمر العلمي الأول لجامعة البيضاء في مثل هذا اليوم عام 2020م، بدأت مسيرة علمية أخذت تتشكل عامًا بعد عام من خلال قضايا اختيرت بعناية لتلامس التحولات التي يعيشها الوطن والمجتمع، وتستجيب للأسئلة التي تفرضها حركة المعرفة والعلم والتقنية. ومع اقتراب انعقاد المؤتمر العلمي السابع، تبرز هذه المسيرة بوصفها سجلًا متصلًا يعكس تطور الاهتمام العلمي في الجامعة، واتساع رؤيتها لدورها الأكاديمي والمجتمعي، وانتقالها عبر محطات متتابعة من استشراف المستقبل إلى خدمة المجتمع، ومن تعزيز البحث العلمي إلى قضايا التنمية المستدامة والذكاء الاصطناعي والبيئة، وصولًا إلى تجديد التعليم الجامعي في ظل التحول المعرفي والتقني.
انطلق المؤتمر العلمي الأول تحت عنوان «مستقبل أفضل في ظل التحديات التي يمر بها الوطن»، ليضع قضية المستقبل في مقدمة الاهتمام العلمي. وقد حمل العنوان دلالة عميقة يتضح فيه أهمية أن تكون الجامعة مساحة لقراءة الواقع واستشراف مآلاته، وأن تتعامل مع التحديات باعتبارها قضايا تستحق الدراسة والتحليل وبناء الرؤى العلمية. فالمستقبل في المنظور الأكاديمي يرتبط بقدرة المجتمع على فهم واقعه، وتحديد أولوياته، والاستفادة من المعرفة في بناء خيارات أكثر وعيًا، وهو ما يجعل الجامعة شريكًا أساسيًا في صياغة التصورات المتعلقة بمستقبل الوطن.
وفي المؤتمر العلمي الثاني، جاء عنوان «تفعيل دور الجامعات في خدمة المجتمع» ليعمق العلاقة بين المؤسسة الأكاديمية ومحيطها الاجتماعي. فالجامعة تمثل مركزًا للمعرفة والخبرة، والمجتمع يمثل المجال الذي تتجسد فيه قيمة هذه المعرفة وأثرها. ومن هذا المنطلق برزت أهمية توجيه البحث العلمي نحو القضايا الواقعية، وربط التخصصات الأكاديمية بالاحتياجات الاجتماعية والتنموية، وتعزيز حضور الجامعة في معالجة المشكلات وتقديم الرؤى والحلول القائمة على المعرفة العلمية. وقد عكس هذا المؤتمر اتساع مفهوم الرسالة الجامعية لتشمل التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع ضمن منظومة متكاملة.
وجاء المؤتمر العلمي الثالث بعنوان «الجامعات البحثية.. الواقع والطموح»، ليضع البحث العلمي في مركز النقاش حول مستقبل الجامعة. فمفهوم الجامعة البحثية يرتبط بقدرتها على إنتاج المعرفة وتطويرها، وبناء بيئة علمية تشجع الباحثين، وتدعم الدراسات المتخصصة، وتعزز الشراكات العلمية، وتربط نتائج الأبحاث بقضايا المجتمع والتنمية. كما يعكس الانتقال إلى هذا الموضوع إدراكًا لأهمية أن تكون الجامعة مؤسسة منتجة للمعرفة، تمتلك القدرة على دراسة المشكلات وتحليلها وتقديم حلول تستند إلى الأدلة والمنهجية العلمية.
وفي المؤتمر العلمي الرابع، الذي جاء بعنوان «دور الجامعات في تحقيق التنمية المستدامة»، لتنتقل القضية إلى مستوى أكثر شمولًا يرتبط بمستقبل المجتمعات ومواردها وقدرتها على تحقيق التنمية بصورة متوازنة وطويلة الأمد. فالتنمية المستدامة تتداخل فيها أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية وتعليمية وصحية، وتحتاج إلى معرفة علمية تساعد على فهم هذه الأبعاد وتحقيق التكامل بينها. ومن هنا تبرز الجامعة بوصفها مؤسسة قادرة على إنتاج الدراسات والبحوث التي تدعم التخطيط التنموي، وتأهيل الكفاءات، وتقديم الحلول التي تراعي احتياجات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
ثم جاء المؤتمر العلمي الخامس بعنوان «دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة البحث العلمي وأثر ذلك على المجتمع»، ليواكب تحولًا تقنيًا ومعرفيًا بالغ التأثير. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا رئيسيًا في تطوير أدوات تحليل البيانات، ومعالجة المعلومات، واكتشاف الأنماط، ودعم اتخاذ القرار، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على منهجيات البحث العلمي وسرعة إنتاج المعرفة. كما يمتد أثره إلى المجتمع من خلال تأثيره في التعليم والعمل والاقتصاد والخدمات ومختلف مجالات الحياة. ومن هنا اتجه الاهتمام إلى دراسة إمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز البحث العلمي، وفهم آثاره المجتمعية، واستكشاف الاستخدامات التي يمكن أن تسهم في تطوير المعرفة وتحقيق فوائد أوسع للمجتمع.
وفي المؤتمر العلمي السادس، جاء عنوان «البيئة في القرن الحادي والعشرين: الواقع والتحديات والحلول»، ليضع القضية البيئية في إطار علمي يرتبط بمستقبل الإنسان والمجتمع. فالبيئة أصبحت قضية متداخلة مع الصحة العامة والأمن الغذائي والمائي والاقتصاد والاستقرار وجودة الحياة، وأصبحت التحديات المرتبطة بها تحتاج إلى دراسات علمية تجمع بين التشخيص والتحليل والتنبؤ واقتراح الحلول. ومن خلال هذا الموضوع اتسعت دائرة الاهتمام العلمي لتشمل واحدة من القضايا التي تتطلب تكاملًا بين التخصصات وتعاونًا بين المؤسسات العلمية والمجتمعية.
واليوم تقف جامعة البيضاء على أعتاب المؤتمر العلمي السابع تحت عنوان «تجديد التعليم الجامعي في ضوء التحول المعرفي والتقني»، وهو عنوان يمثل امتدادًا طبيعيًا للمسار الذي قطعته المؤتمرات السابقة، ويضع التعليم الجامعي أمام متغيرات عميقة فرضتها الثورة المعرفية والتقنية. فالمعرفة أصبحت أكثر سرعة في الإنتاج والتجدد، ومصادر التعلم أصبحت أكثر اتساعًا، والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أعادت تشكيل كثير من الممارسات التعليمية والبحثية، كما تغيرت المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأصبح التعلم المستمر ضرورة مرتبطة بالمسار الأكاديمي والمهني.
ويحمل مفهوم تجديد التعليم الجامعي أبعادًا تتجاوز تحديث الوسائل والأدوات، ليصل إلى إعادة التفكير في أهداف العملية التعليمية ومناهجها وطرائقها ومخرجاتها. فالتحدي المعاصر يرتبط بقدرة التعليم الجامعي على بناء شخصية علمية قادرة على التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، وحل المشكلات، والتعلم المستمر، والتعامل الواعي مع التكنولوجيا، والمشاركة في إنتاج المعرفة. كما يرتبط بقدرة المؤسسات الجامعية على بناء بيئات تعليمية تستفيد من التحول التقني، وتوظف أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، وتحافظ في الوقت نفسه على القيم العلمية والأخلاقية والإنسانية التي تشكل أساس العملية التعليمية.
وعند النظر إلى المؤتمرات العلمية السبعة باعتبارها مسارًا واحدًا، تظهر بينها علاقة واضحة من حيث تطور القضايا واتساع نطاقها. فقد بدأ الاهتمام باستشراف مستقبل الوطن، ثم تعززت العلاقة بين الجامعة والمجتمع، وتقدم البحث العلمي إلى مركز الاهتمام، واتجهت الرؤية نحو التنمية المستدامة، ثم دخل الذكاء الاصطناعي والبيئة ضمن دائرة البحث، وصولًا إلى إعادة النظر في التعليم الجامعي ذاته في ضوء التحول المعرفي والتقني. ويكشف هذا التسلسل عن تطور طبيعي في الأسئلة التي تطرحها الجامعة، وعن ارتباط هذه الأسئلة بالتحولات التي يشهدها المجتمع والعالم.
وتكتسب هذه المؤتمرات أهمية خاصة لأنها تمثل مساحة تجمع بين المعرفة النظرية والقضايا الواقعية، وتتيح للباحثين والأكاديميين تقديم الدراسات والرؤى والتجارب، وتفتح المجال للحوار العلمي حول قضايا تتصل مباشرة بمستقبل الجامعة والمجتمع. كما أنها تشكل سجلًا معرفيًا لمسيرة الجامعة، يمكن من خلاله قراءة تطور اهتماماتها العلمية، ورصد الموضوعات التي أصبحت أكثر حضورًا في المشهد الأكاديمي، وفهم طبيعة التحديات التي استدعت تخصيص كل مؤتمر لقضية محددة.
ومع الوصول إلى المؤتمر العلمي السابع، تبدو المسيرة أكثر اتصالًا من أي وقت مضى؛ فالتحديات التي تناولتها المؤتمرات السابقة تتقاطع جميعها مع قضية التعليم الجامعي. فبناء المستقبل يحتاج إلى تعليم قادر على إعداد الإنسان، وخدمة المجتمع تحتاج إلى خريج يمتلك المعرفة والمهارات، والجامعة البحثية تحتاج إلى بيئة تعليمية تزرع ثقافة البحث، والتنمية المستدامة تحتاج إلى كفاءات قادرة على التفكير طويل الأمد، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تعليم يستوعب التحول التقني، والتحديات البيئية تحتاج إلى تعليم يعزز التفكير العلمي متعدد التخصصات.
وهكذا تمثل المؤتمرات العلمية السبعة لجامعة البيضاء مسيرة متدرجة في بناء الوعي العلمي، تبدأ من سؤال المستقبل، وتمر عبر أسئلة المجتمع والبحث والتنمية والتقنية والبيئة، لتصل إلى سؤال التعليم الذي يحمل في داخله قدرة الجامعة على الاستجابة لكل تلك التحولات. ومع اقتراب المؤتمر العلمي السابع، تستمر جامعة البيضاء في توسيع فضاء البحث والحوار، واضعةً المعرفة في صميم رسالتها، والبحث العلمي في قلب تطورها، والتعليم الجامعي في مقدمة أولويات مستقبلها الأكاديمي، نحو جامعة أكثر قدرة على مواكبة التحولات وصناعة المعرفة والإسهام في خدمة المجتمع والوطن، وقد كانت مخرجاتها عملية جادة تخط الهدف لتسعى لتحقيقه بدءا بمشروع قانون حماية اللغة العربية الذي تسعى الجامعة لاعتماده، واختبار الكفاءة المعرفية الذي أقرته الجامعة وطبقته منذ أربع سنوات، والإطار الوطني لاستعمال الذكاء الاصطناعي في التعليم .

ويبقى هذا اليوم ذكرى رحلة بحثية موثقة بدأت بإمكانيات بسيطة وسعي حثيث، استمرت وستستمر بإذن الله تعالى بجهود المخلصين من أبناء الجامعة وإيمانهم بأن رسالتهم البحثية سامية وستصل بهم وبجامعتهم ووطنهم إلى ما ينهض بهم في مستقبل الأيام

اترك رد